الغزالي
155
إحياء علوم الدين
غائبين عنه ، بحيث يعلم أنه لا يصيبه منهما خير ولا شر في الدنيا ولا في الآخرة . فذلك الميل هو حب في الله ولله من غير حظ . فإنه إنما يحبه لأن الله يحبه ، ولأنه مرضي عند الله تعالى ولأنه يحب الله تعالى ، ولأنه مشغول بعبادة الله تعالى ، إلا أنه إذا ضعف لم يظهر أثره ، ولا يظهر به ثواب ولا أجر . فإذا قوى حمل على الموالاة والنصرة والذب بالنفس والمال واللسان وتتفاوت الناس فيه بحسب تفاوتهم في حب الله عز وجل ولو كان الحب مقصورا على حظ ينال من المحبوب في الحال أو المآل ، لما تصور حب الموتى من العلماء والعباد ، ومن الصحابة والتابعين ، بل من الأنبياء المنقرضين صلوات الله عليهم وسلامه ، وحب جميعهم مكنون في قلب كل مسلم متدين . ويتبين ذلك بغضبه عند طعن أعدائهم في واحد منهم ، وبفرحه عند الثناء عليهم وذكر محاسنهم . وكل ذلك حب لله ، لأنهم خواص عباد الله ، ومن أحب ملكا أو شخصا جميلا أحب خواصه وخدمه وأحب من أحبه . إلا أنه يمتحن الحب بالمقابلة بحظوظ النفس ، وقد يغلب بحيث لا يبقى للنفس حظ إلا فيما هو حظ المحبوب . وعنه عبر قول من قال أريد وصاله ويريد هجرى فأترك ما أريد لما يريد وقول من قال : وما لجرح إذا أرضاكم ألم وقد يكون الحب بحيث يترك به بعض الحظوظ دون بعض ، كمن تسمح نفسه بأن يشاطر محبوبه في نصف ماله أو في ثلثه أو في عشره . فمقادير الأموال موازين المحبة ، إذ لا تعرف درجة المحبوب إلا بمحبوب يترك في مقابلته . فمن استغرق الحب جميع قلبه ، لم يبق له محبوب سواه ، فلا يمسك لنفسه شيئا ، مثل أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، فإنه لم يترك لنفسه أهلا ولا مالا ، فسلم ابنته التي هي قرة عينه ، وبذل جميع ماله ، قال ابن عمر رضي الله عنهما ، بينما رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] جالس وعنده أبو بكر ، وعليه عباءة